القرطبي
186
الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )
التغطية على الشئ والاستيثاق منه حتى لا يدخله شئ ، ومنه : ختم الكتاب والباب وما يشبه ذلك ، حتى لا يوصل إلى ما فيه ، ولا يوضع فيه غير ما فيه . وقال أهل المعاني : وصف الله تعالى قلوب الكفار بعشرة أوصاف : بالختم والطبع والضيق والمرض والرين والموت والقساوة والانصراف والحمية والانكار . فقال في الانكار : " قلوبهم منكرة وهم مستكبرون ( 1 ) " [ النحل : 22 ] . وقال في الحمية : " إذ جعل الذين كفروا في قلوبهم ( 2 ) الحمية " . [ الفتح : 26 ] وقال في الانصراف : " ثم انصرفوا صرف ( 3 ) الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون " [ التوبة : 127 ] . وقال في القساوة : " فويل للقاسية ( 4 ) قلوبهم من ذكر الله " [ الزمر : 22 ] . وقال : " ثم قست قلوبكم ( 5 ) من بعد ذلك " [ البقرة : 74 ] . وقال في الموت : " أو من كان ( 6 ) ميتا فأحييناه " [ الانعام : 122 ] . وقال : " إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى ( 7 ) يبعثهم الله " [ الانعام : 36 ] . وقال في الرين : " كلا بل ران ( 8 ) على قلوبهم ما كانوا يكسبون " . [ المطففين : 14 ] . وقال في المرض : " في قلوبهم مرض " . [ محمد : 29 ] وقال في الضيق : " ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا ( 9 ) حرجا " . [ الانعام : 125 ] . وقال في الطبع : " فطبع على قلوبهم ( 10 ) فهم لا يفقهون " [ المنافقون : 3 ] . وقال : " بل طبع الله عليها بكفرهم ( 11 ) " [ النساء : 155 ] . وقال في الختم : " ختم الله على قلوبهم " . [ البقرة : 7 ] . وسيأتي بيانها كلها في مواضعها إن شاء الله تعالى . الثانية - الختم يكون محسوسا كما بينا ، ومعنى كما في هذه الآية . فالختم على القلوب : عدم الوعي عن الحق - سبحانه - مفهوم مخاطباته والفكر في آياته . وعلى السمع : عدم فهمهم للقرآن إذا تلي عليهم أو دعوا إلى وحدانيته . وعلى الابصار : عدم هدايتها للنظر في مخلوقاته وعجائب مصنوعاته ، هذا معنى قول ابن عباس وابن مسعود وقتادة وغيرهم . الثالثة - في هذه الآية أدل دليل وأوضح سبيل على أن الله سبحانه خالق الهدى والضلال ، والكفر والايمان ، فاعتبروا أيها السامعون ، وتعجبوا أيها المفكرون من عقول القدرية القائلين بخلق إيمانهم وهداهم ، فإن الختم هو الطبع فمن أين لهم الايمان ولو جهدوا ،
--> ( 1 ) راجع ج 10 ص 95 ( 2 ) راجع ج 16 ص 288 ( 3 ) راجع ج 8 ص 300 ( 4 ) راجع ج 15 ص 248 ( 5 ) راجع ج 1 ص 462 ( 6 ) راجع ج 7 ص 78 ( 7 ) راجع ج 6 ص 418 ( 8 ) راجع ج 19 ص 257 ( 9 ) راجع ج 7 ص 81 ( 10 ) راجع ج 18 ص 124 ( 11 ) راجع ج 6 ص 7